بحث

الأحد، 9 أغسطس 2020

وتبدلت الأماكن

 "وتبدلت الأماكن!"


لم أضع نفسي يومًا مكان الآخرين لكي أتفهم وجهة نظرهم تجاه الأشياء، ولكن سأقص عليكم موقفاً قَلب موازين فهم الأشياء لدي .
ذات يوم تأخرت في الاستيقاظ عن الموعد المعتاد لأنني قد أكلت كثيراً، وسهرت أمام التلفاز أشاهد فيلماً مع زملائي في السكن الجامعي، وبينما أشاهد الفيلم أتصل والدي لكي يطمئن عليَّ و علي أحوالي في الجامعة وقال أنه سيرسل لي مبلغاً من المال لإيجار السكن ومصروفي ...
ضغوط شتى تتوالى من كل جهة أب يضغط ليرى أبنه الافضل، أم تضغط لشوقها الى ابنها الوحيد المغترب وتدفعة للاجتهاد لتعويض تعبه وغربته ، ضغوط من الاصحاب للعب والترفيه لأنه سن الشباب الذي يمر سريعاً ، ضغوط قصص الحب التي لم تكتمل ، ضغوطات الدراسة بكل ما فيها.
فحملت راسي المثقل بكل ما فيه للذهاب الي الجامعة، كانت الساعة التاسعة صباحاً والجميع في الشارع يندفعون في كل الاتجاهات، أصوات تتعالي بكلمات صباح الفل ويرد الآخر صباح الورد يا نجم وأحيانا يتعالى السباب والشتائم، فرأيت في الطريق شاب بنفس سني تقريباً يبدو عليه الإنهاك بسبب عمله فهو يعمل في رصف الطريق وسمعته يتحدث مع المشرف عن العمال ويستسمحه، لأنه تاخر فقد جاء ماشياً علي قدميه لأنه يحاول توفير مبلغ مالي لشراء بعض المستلزمات لأن أخته ستتزوج قريباً...
نظرت إليه نظرة إستهزاء !! واضح أنه يكذب، هل أجرة المواصلات ستكون سببًا في تعطل زواج أخته ؟!
لم يتوقف عقلي عن التفكير الى أن وصلت الجامعة وذهبت الى قاعة المحاضرات متاخراً فلم يسمح دكتور المادة لي بالحضور فذهبت وجلست علي السلم أفكر في ذلك الشاب وفي مدى أستهتارة وأهماله...
أغمضت عيني قليلاً واِستسلمت لإغفاءة قصيرة، وجدت نفسي فيها أنا الشاب العامل الذي رأيته في الطريق، أقف أمام المشرف عن العمال الذي لم يبق كلمة سيئة إلا قالها وأخيراً قرر الخصم من الراتب، ذهبت لأكمال العمل وأنا أشعر بالحزن، إنقضى اليوم وذبت إلي البيت منهكاً متعباً وحزيناً من ذلك الخصم، قابلتني والدتي بإبتسامتها التي تبذل فيها جهداً كبيراً حتى تظهرها، وضعت أمامي طبقاً به القليل من الفول و بعض العيش، وأثناء تناول العشاء قالت أمي : " الحمد لله هانت، أنا عملت جمعية مع جارتنا وهتعطيها لي أول الشهر لأنها تعرف ما نعانيه وإن شاء الله هجيب الحاجات الضرورية لأختك، عقبالك إن شاء الله "، نظرت إلى اختي مبتسماً وقلت لها ألف مبروك مقدماً وحاولت أن أخفي حزني علي الخصم من الراتب و قررت البحث عن عمل في الفترة المسائية حتي أستطيع أن أساعد في دفع أقساط الجمعية.
فنظرت إلى صورة والدي المعلقة علي الحائط، تذكرت وفاتة عندما كنت صغيراً، و فكرت في ماذا سيكون حالنا لو أنه مازال على قيد الحياة! وإنهُ كانت ستتوفر لي الفرص التي تُتاح لمن لا يستحقها ويقدرها. وفجأة سمعت صوت والدي ينادي من بعيد، ألتفت يميناً ويساراً فوجدت نفسي علي السلم في الكلية وأصدقائي هم من كانوا ينادون.
فحمدت الله كثيراً على ان كان حلماً وحمدته علي الفرص التي أُتيحت لي، هنا بدأت الإجابة علي الأسئلة :-
- ماذا لو تبدلت الأماكن ؟!
- ماذا لو أُتيحت لهذا الشاب نفس الفرص التي أُتيحت لي ؟
- هل أنا المستهتر لا أستحق هذة الفرص ؟!
- هل لو كان مكاني سيصبح أفضل مني؟
فرص و نعم توافرت لي فلأبد أنها لم تتاح عبثًا، فسبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثًا فلكل منا دوره له ظروفه وأسبابه ونحن الذين نقرر بأن نأخذ بالأسباب والأجتهاد أو التجاهل والأستهتار.
أيقنت أن لكل منا قصة فلا يحق لأحد الحكم علي غيره ولا يجب أن يتهاون أي شخص أنتهاز الفرص التي تتاح إليه، فاليوم أصبحنا في عصر السرعة والحياة يومًا بحال وفي الصباح التالي ينقلب حالها في الأتجاه المعاكس تمامًا، فاصبحت الحياة تركض بنا لدرجة أننا لم نعد نجد وقتًا للحياة! اليوم يبدأ اليوم انتهي ! من يصدق أن أربعةً وعشرين ساعةً بأكملها مرت عليك ربما لم تفعل فيها أي شيء ، يوم من عمرك سقطت ورقته ولم تشعر به حتى، ومع ذلك أصبحت حياتنا أكثر تعقيدًا وأصبحت متطلباتنا أوسع وأضخم وحاجاتنا لا تنتهي، لنصنع لأنفسنا مركزًا آمنًا ننطلق منه ونعود إليه.

بقلم م. عمرو منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة © 2017 عيون مبدعين
تصميم Be Best | تعريب Be Best
    Twitter Facebook Google Plus Vimeo Videosmall Flickr YouTube